محمد عزة دروزة

15

التفسير الحديث

وقد ذكر البغوي رواية تذكر أنها في صدد تحليل الأجنة وأورد حديثا عن أبي سعيد بسبيل تأييد ذلك جاء فيه « قلنا يا رسول اللَّه ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة فنجد في بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله ؟ قال : كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه » ( 1 ) . وإلى هذا روي عن قتادة والحسن أن المقصود من الجملة هو تحليل ما حرّم أهل الجاهلية على أنفسهم . والمراد من ذلك على الأغلب ما حكي عن تقاليد العرب من تحليل وتحريم في آيات سورة البقرة [ 173 ] والأنعام [ 118 و 119 و 138 و 139 ] والنحل [ 114 - 116 ] والحج [ 30 ] على ما شرحناه في سياقها وقد أورد البغوي إلى هذا قولا معزوا إلى الكلبي يفيد أن تعبير بهيمة الأنعام يشمل وحشها وهي الظباء وبقر الوحوش وحمر الوحش . وليس في كتب التفسير الأخرى زيادة على ذلك . والذي يتبادر لنا على ضوء الجملة التي بعدها وهي * ( غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأَنْتُمْ حُرُمٌ ) * أن مقصد الجملة أو من مقاصدها رفع الحرج عن المسلمين في ذبح الأنعام وأكلها وهم في حالة الحرم باستثناء ما ذكر من حالاتها في القرآن لأن تحليل أكل الأنعام مطلقا قد ورد في آيات سابقة مكية ومدنية عديدة . وفي أحدها ورد ذلك بعبارة مثل العبارة التي وردت هنا وهي ذلِكَ ومَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّه فَهُوَ خَيْرٌ لَه عِنْدَ رَبِّه وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ [ سورة الحج : 30 ] ولا تبدو حكمة في ذكر ذلك بالمعنى الذي صرفوه إليه في هذا المقام . كما أن صرف العبارة إلى الأجنة بعدا وتكلفا . وهذا لا ينافي الخبر الذي احتواه حديث أبي سعيد وهو أنه أو غيره سأل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن أكل الأجنة الميتة . والحديث لم يرد ولم يورد في أصله لتفسير العبارة . ويتبادر لنا من فحوى * ( أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ ) *

--> ( 1 ) الذكاة والتذكية في أصلها إتمام الاشتعال ثم صارت اصطلاحا إسلاميا يطلق على ذبح بهيمة الأنعام للأكل وذكر اسم اللَّه عليها حين ذبحها وهذا الحديث من مرويات أبي داود وأحمد والترمذي انظر التاج ج 3 ص 95 .